خليل الصفدي

254

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

وأضاف اللّه تعالى له إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن . وهو أحد الأدباء الكملة الذين رأيتهم ؛ وأعني بالكملة الذين يقومون بالأدب علما وعملا في النظم والنثر ومعرفة بتراجم أهل عصرهم ومن تقدمهم على اختلاف طبقات الناس وبخطوط الأفاضل وأشياخ الكتابة . ثم إنه يشارك من رأيته من الكملة في أشياء وينفرد عنه بأشياء بلغ فيها الغاية وقصّر ذلك عن شأوه لأنه جوّد فنّ الإنشاء : النثر وهو فيه آية ، والنظم وساير فنونه ، والترسل البارع عن الملوك . ولم أر من يعرف تواريخ ملوك المغل من لدن جنكز خان وهلم جرّا معرفته وكذلك ملوك الهند الأتراك . وأمّا معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم / ومواقع البلدان وخواصها فإنه فيها إمام وقته وكذلك معرفة الأسطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب . وقد أذن له العلامة الشيخ شمس الدين الأصبهاني في الإفتاء على مذهب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه فهو حينئذ أكمل الكملة الذين رأيتهم . ولقد استطرد الكلام يوما إلى ذكر القضاة فسرد ذكر القضاة الأربعة الذين عاصرهم شاما ومصرا وألقابهم وأسماءهم وعلامة كلّ قاض منهم حتى إني ما كدت أقضي العجب مما رأيت منه . واتفق يوما آخر أنه احتجت إلى كتابة صداق لبنت شمس الدين ابن الشيرازي فذكر على الفور اسمها واسم أبيها وسرد نسبه فجئت إلى البيت وراجعت تعاليقي ومسوّداتي فكان الأمر كما ذكر لم يخلّ باسم ولا لقب ولا كنية . ولد بدمشق ثالث شوال سنة سبعمائة وتوفي رحمه اللّه تعالى يوم عرفة سنة تسع وأربعين وسبعمائة . قرأ العربية أولا على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة ثم على قاضي القضاة شمس الدين ابن مسلم والفقه على قاضي القضاة شهاب الدين ابن المجد عبد اللّه وعلى الشيخ برهان الدين قليلا . وقرأ الأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين ابن تيمية والعروض والأدب على الشيخ شمس الدين الصايغ وعلاء الدين الوداعي . وقرأ جملة من المعاني والبيان على العلامة شهاب الدين محمود وقرأ عليه جملة من الدواوين وكتب الأدب .